صانع المدافع : الرايس إبن غانم الأندلسي

صانع المدافع : الرايس إبن غانم الأندلسي

ولد إبراهيم بن أحمد بن غانم الرياش في قرية نَولِش الواقعة في إقليم غرناطة، خلال الربع الأخير من القرن السادس عشر الميلادي، في أحلك فترة قضاها من بقي من الأندلسيين المسلمين في إسبانيا ما بين 1550 و 1599؛ و قد تظاهر ابن غانم بالتنصر، وتعلم اللغة الإسبانية لكي يتمكن من تعلم العلوم البحرية والانخراط على إحدى السفن الكبرى الذاهبة إلى أمريكا المكتشفة حديثًا، والتي يسميها ابن غانم الرياش “الهنود المغربية البعيدة”؛

وخلال رحلاته فى ” البحر المحيط “ لم يتعلم علوم البحر فقط، وإنما تعلم أيضاً علوم المدفعية عن طريق استماعه للربابنة الإسبان، وملاحظته لطرق التدريب ويصف ذلك بقوله:” وكانوا يجتمعون مع أكابر القوم للكلام في تلك الصناعة (صناعة آلات الحرب البارودية)، وتارة يأتون بالكتب المؤلفة في ذلك الفن، وهي كثيرة، لأن العارفين بالعلم، المباشرين للعمل، وغيرهم، لما رأوا أن ملوكهم يعظمون أهل ذلك الفن ومن يؤلف فيه فُتنوا به، وكنت أجالسهم وأحفظ بعض ما يتفقون عليه، وأشتغل بيدي في المدافع، وجميعهم لا يظنون بى أنني أندلسي”.

واكتشف بعد ذلك ـ أنه مسلم ـ فأودع السجن حتى توسط لـه واحد من أكابر الإسبان الذين كانوا من رفاقه في السفر حتى تم إطلاق سراحه فعاد إلى إشبيلية. وبعد خرج لاحظ أنه مراقب مما جعل حياته صعبة فحاول السفر إلى المغرب ولكن رفُض طلبه فدفع رشوة كبيرة ليحصل على غايته سنة 1607 م و هاجر بعد ذلك مع جمع من قومه لتونس فوصل في عهد الداي عثمان قبل 1608 م، وهي سنة وفاة الداي عثمان وتوّلى الداي يوسف.

و يصف لنا هجرته واستقباله فى تونس بالقول: “فخرجت من تلك البلاد إلى بلاد المسلمين مع جملة الأندلس وكانوا منعوني من ذلك، فعملت بيَنة بأنني من الأندلس لنخرج معهم، ولم ينفعني شيء من ذلك. ثم أنفقت دراهم في الرشوات، وخرجت من بينهم، وجئت إلى مدينة تونس حرسها الله فوجدت فيها كثيراً من الأصحاب والأحباب من الأندلس، وأقبل عليً أمير المدينة عثمان داي رحمه الله تعالى، وقدمني على مائتي رجل من الأندلس وأعطاني خمسمائة سلطانية، ومائتي مكحلة ( أي مائتا بارودة)، ومائتي سكيناً، وغير ذلك مما يحتاج إليه في سفر البحر “.

وبعد ذلك بدأ ابن غانم الرياش أعمال الجهاد ضد الكفار في “البحر الصغير” لحساب حاكم تونس، الداي عثمان، ولكنه اضطر للعودة بغنائم قليلة بعد أن أصيب بجرح بليغ جعله يشرف على الهلاك.

وبعد أن برئ من جرحه عاد لركوب البحر في زمن الداي يوسف و يصف حملته الجديدة :” وبعد أن برئت ركبنا أيضاً البحر، وسافرنا فيه في طلب الكفار وأموالهم ونحن بقرب مدينة مالقة وهي على حاشية هذا البحر الصغير، تقابلنا بإحدى عشر غراباً وذلك في نصف شهر أغشت 1609 م والبحر ساكن ولاشيء من الريح ووقع الحرب الشديد ومات من الجانبين خلق كثير ودام الطراد الكبير حتى لم يبق منا إلا القليل وأسرونا وصحَ أن من الكفار أعدائنا مات في ذلك اليوم أكثر من ستمائة رجل كان بينهم أكثر من عشرين من أكابرهم وأسرونا وأنا مثقل بالجراح”؛

و أُسر 7 سنوات و قيض الله لـه النجاة وجرت مبادلة للأسرى بين الداي وملك غرناطة وعاد لتونس واستقر بمرفأ ” حلق الوادي “و عينه الداي رئيساً لمفرزة المدافع الرابضة هناك. وبـ “حلق الوادي” ألّف كتابه عن المدافع ‘”العز والرفعة والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بآلات الحرب والمدافع”‘ و يصف أسباب تأليف كتابه: “ولما رأيت الطائفة المسماة بالمدافعين المرتبَين لامعرفة لهم بالعمل وأنهم لا يعمَرون ولا يرمون بما يقتضيه العمل عزمت على تصنيف هذا الكتاب لأن كل مدفع لـه قيمة مال وتعب في إيجاده ثم يوكل على تسخيره والرمي به من يكسره ويفنيه في الرمية الأولى أو في الثانية والموكل عليه الذي يعمره ويرميه قريباً من الهلاك فحملني على تصنيفه النصح لـه و لمن وكله عليه. نسأل الله أن يقبل النية إنها أبلغ من العمل وأن ُييسر لي من يعربه بالعربية من الكلام الإشبانيول”.

يحتوي هذا الكتاب على خمسين بابًا في وصف البارود، والآلات الحربية القاذفة، وتركيب المدافع واختلافها، ووصف أدواتها، وطرق تعميرها، والرمي بها إلى غير ذلك، ويتخلل ذلك واحد وخمسين رسمًا توضيحيًا لمختلف أجزاء المدفع.

ومن أبوابه:

الباب الأول: وفيه توصيات وتذكيرات للمجاهدين بآلات الحرب البارودية، وما يحتاجه؛ ليتقن صنعه وعمله.
الباب الثاني: في ذكر الآلات البارودية، ومما تركب المعدنية منها، وما يضاف للنحاس من القصدير عند تفريغها وتذويبها.
الباب الثالث: في ذكر آلات الحرب ونتيجتها والمقصود بها، وذكر اختلافها بعضها عن بعض.
الباب العشرون: في تعمير المدافع.
الباب الثاني والعشرون: في أخذ القياس للرمي بالربع وعمله وتفصيله.
الباب الثالث والعشرون: في ذكر معادن أنواع المدافع.
الباب التاسع والعشرون: في كيفية تبريد المدافع من كثرة الرمي بها من غير توقف.
الباب الثالث والثلاثون: في معرفة البارود.
الباب الرابع والثلاثون: في كيفية عمل البارود.
الباب الرابع وأربعون: في ذكر حمل المدافع في البر.
الباب الخامس وأربعون: في عمل القناطر على الوديان.
الباب الثامن وأربعون: في ذكر ما يحتاجه المدافعي للسفر في البر والبحر بآلات البارود.
الباب الموفي خمسون: في ذكر أحسن الوجوه لعمل البارود في زمننا هذا.

توفي ابن غانم الرياش في تونس بعد سنة 1640 رحمة الله تعالى و دفن بها؛

🇹🇳

Hits: 125

تبعنا على صفحة "الروح التونسية"
ساهم في نشر الوعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *